حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

358

شاهنامه ( الشاهنامه )

فغضب رستم واغتاظ وأمر أخاه بأن يمدّ السماط ، ويحضر أصحابه ويقدّم إليهم ما أعدّوه لإسفنديار وركب متوجها إلى معسكره ، وعبر اليه الماء ودخل عليه فشكا من تأخره عنه وقال له : إنك تعظمت ورفعت قدرك عن المصير إلىّ . وكأنك تستصغرنى في شجاعتى وتستخف في رأيي وأدبى . فاعلم وتحقق أنى رستم المنتمى إلى سام بن نَيرم . وكم من أسد اختطفته عن ظهر فرسه بهذا الوهق مثل كاموس الكُشانى ، وخاقان الصين إلى غيرهما من القروم الصعاب . وأنا حافظ ملوك إيران ومعينهم على أعدائهم أجمعين . وأراك بتملقى إليك وتواضعى لك قد ظننت الظنون وتوهمت أن فعلى ذلك عن ضراعة وعجز واستكانة وخوف . وأنا أكره قتالك لما أرى فيك من الأبهة والجلالة ، ولا أريد أن يتلف شهريار مثلك . وقد توليت بهوانية العالم زمانا طويلا ، وما رآني أحد خاضعا لأحد ذليلا . وقد طهرت وجه الأرض من كل ضدّ ، وتحملت في ممارسة الحروب كل عبء . والحمد اللّه إذ لم أمدت حتى رأيت في قرنا يتصدّى لقتلى والانتقام منى » . اعتذار إسفنديار من عدم تلبية دعوة رستم الضيافة فتبسم عند ذلك إسفنديار وقال : يا ابن سام بن نيرم ! أرى صدرك قد ضاق بتأخرى عن ضيافتك . وثم يؤخرنى عنها إلا الحرّ الشديد والطريق البعيد . وكان في نيتي أن أحضر من الغد باكرا ، وتعنّيت . فخفض الآن عليك عيني برؤية دستان بن سام ، وأشرب معكم يوما . فتجشمتَ وتعنّيت . فخفض الآن عليك . واسكن ، وتناول الكأس ، واترك هذه الحدّة والطيش . فمكن له لجلس عن يساره فقال : لا أقعد إلا حتى اشتهيت . إسفنديار يعيب على رستم نسبه ثم لما استوى بهم المجلس قال له إسفنديار : إني سمعت من الموابذة أن دستان الخبيث الجوهر إنما نتجته الجن ّ فأخفته النساء عن سام لقبح صورته وسماجة شكله . ثم إن ساما لما علم به أمر بإخراجه إلى البحر لتأكله دواب البحر . فانتقضت عليه العنقاء ورفعته إلى وكرها ، وطرحته عند أفراخها . وكان يطعم من فضلات جيف ترفعها إلى أن ترعرع وكبر . فحملته إلى باب سِجِستان فقبله سام واستلحقه لجهله وحمقه وجنونه ولأن لم يرزق ولدا . فحمله ذلك على قبوله وإلحاقه بنسبه ليستظهر به . ثم إن أكابر أسلافنا ونصحاء أجدادنا اعتنوا به ورفعوا منه وجذبوا بضبعه حتى سمق قدره وطال باعه . فولد له رستم الذي طاول الكيوان وقهر الأقران ، ولم تزل مرتبته ترتقى حتى بلغ به الأمر إلى مخالفة السلطان والخروج عن طاعة الرحمن » . جواب رستم على إسفنديار وثناؤه على نسبه وذكر مناقبه فقال له رستم : ما أراك إلا وقد اخترت الزيغ واتبعت الشيطان . فلا تقل إلا ما يليق بالملوك . وهم لا يعدلون فيما يقولون عن سنن الصدق ومنهج الحق . وإن أباك أعلم بدستان ، ويعرف أنه بهلوان كبير القدر غزير العلم ، وأن ساها هو ابن نيرم ، وأن نيرم ولد أو شهنج ثالث ملوك العالم .